
تمهيد: على تخوم الصحراء… صراع النفوذ لا يهدأ
في صمت الصحراء الواقعة غرب السودان، وعلى امتداد الحدود المترامية مع ليبيا، تدور معركة غير معلنة. ليست بالضرورة معركة بالسلاح والدبابات، لكنها معركة مصالح ونفوذ وتقاطعات إقليمية، تشهد تدخلاً واضحاً من قوات المشير خليفة حفتر، قائد ما يُعرف بـ”الجيش الوطني الليبي”. هذا التدخل يتراوح بين دعم مرتزقة سودانيين، وتغذية الصراعات المسلحة، وتسهيل تهريب الذهب والسلاح عبر الصحراء، مستغلاً هشاشة الوضع الداخلي السوداني.

ورغم التحديات العميقة في الداخل، يظل الجيش السوداني واقفاً كقوة ردع وطنية، قادرة على الدفاع عن حدود البلاد، وصدّ أي تمدد خارجي يهدد السيادة الوطنية. فما أسباب تدخل حفتر في الشأن السوداني؟ وما هي قدرات الجيش السوداني على مواجهة هذا التمدد؟ وكيف يمكن قراءة هذا الصراع في سياق التنافس الإقليمي المتصاعد في منطقة الساحل والصحراء؟
أولاً: خليفة حفتر… مشروع تمدد لا يكتفي بليبيا
خليفة حفتر، الجنرال الذي يقود قوات شرق ليبيا، لم يُخف طموحه في بسط نفوذه خارج الحدود الليبية، وهو ما يبدو جلياً في تعامله مع السودان وتشاد والنيجر. فالرجل الذي يحظى بدعم مباشر من الإمارات ومصر وروسيا، يسعى لخلق نطاق نفوذ إقليمي يبدأ من بنغازي ويصل إلى قلب إفريقيا. ويرى في هشاشة السلطة السودانية، خاصة بعد الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، فرصة ثمينة لترسيخ وجوده على الحدود الشرقية لليبيا.
ولأجل ذلك، عمل حفتر على:
تجنيد مرتزقة سودانيين من الحركات المسلحة في دارفور، واستخدامهم في حروبه داخل ليبيا.
تمويل شبكات تهريب الذهب والسلاح عبر المناطق الحدودية مثل وادي هور وجبال عوينات.
إقامة علاقات غير رسمية مع قادة مليشيات سودانية لتأمين عمق استراتيجي في الجنوب الشرقي الليبي.
وقد رُصدت تقارير دولية تُشير إلى نشاط واسع لقوات موالية لحفتر على الحدود الليبية السودانية، ما يُعد تدخلاً صارخاً في الشأن السوداني وانتهاكاً صريحاً لمبدأ حسن الجوار.
ثانيًا: لماذا يتدخل حفتر في السودان؟ دوافع استراتيجية متعددة
ليس من قبيل المصادفة أن يسعى حفتر لترسيخ نفوذه داخل السودان، بل تعود دوافعه إلى أسباب استراتيجية واضحة، من أبرزها:
الفراغ الأمني في المناطق الحدودية
الحرب التي اندلعت بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع خلّفت فراغاً في بعض ولايات دارفور وكردفان، ما مكّن أطرافاً خارجية من التسلل وتمدد نفوذها، مستغلة غياب الدولة.
توظيف المرتزقة السودانيين
لطالما اعتمد حفتر على تجنيد مقاتلين سودانيين، خصوصاً من الحركات المسلحة، نظراً لتجربتهم الطويلة في القتال، واستخدامهم في مهام خاصة داخل ليبيا.
تهريب الذهب وتمويل الحرب
تمثل مناطق التعدين التقليدي في دارفور وشرق السودان مورداً رئيسياً لحفتر، حيث يتم تهريب الذهب إلى ليبيا بطرق غير مشروعة، ويُستخدم لتمويل عملياته العسكرية.
الطموح الإقليمي لحفتر
يريد حفتر أن يُظهر نفسه كزعيم لا يقتصر نفوذه على ليبيا، بل يمتد إلى دول الجوار، بهدف نيل دعم أوسع من حلفائه الإقليميين والدوليين.
ثالثًا: الجيش السوداني… عمود الدولة وحامي السيادة
رغم الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية الصعبة، ما يزال الجيش السوداني يمثل العمود الفقري للدولة السودانية، والقوة الوطنية الأهم في حماية الحدود وصون السيادة. ومن نقاط قوة الجيش:
الانتشار الجغرافي والتكتيك الصحراوي
تنتشر وحدات الجيش في مناطق استراتيجية مثل الطينة، مليط، كرنوي، ووادي هور، وهي مناطق قريبة من الحدود الليبية، ما يمنحه ميزة كبيرة في مراقبة التحركات المشبوهة والتعامل السريع معها.
الخبرة القتالية والجاهزية العملياتية
يضم الجيش عناصر ذات خبرات طويلة في قتال الحركات المتمردة، وسبق له أن خاض مواجهات في بيئات جغرافية ومناخية معقدة. هذه الخبرة تؤهله للتعامل مع التهديدات الآتية من الحدود الغربية.
التسليح والاستخبارات
يمتلك الجيش السوداني قدرات تسليحية معتبرة، بالإضافة إلى شبكات استخباراتية فعالة قادرة على كشف تحركات المرتزقة والمليشيات العابرة للحدود.
رابعًا: رسائل الردع السودانية لقوات حفتر
لم يقف الجيش السوداني مكتوف الأيدي أمام التحركات الليبية المشبوهة، بل وجّه عدة رسائل ردع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، كان من أبرزها:
تصريحات حاسمة من القيادة العامة تؤكد أن أمن الحدود “خط أحمر”.
تنظيم مناورات عسكرية قرب المناطق الحدودية، تضمنت مشاركة وحدات مدرعة وطائرات استطلاع.
ضبط كميات من السلاح والذخائر، واعتقال عناصر أجنبية ضمن شبكات تهريب تعمل لصالح حفتر.
هذه الرسائل حملت مضموناً واضحاً: السودان دولة ذات سيادة، وأي محاولة لاختراق حدوده ستُواجَه بالقوة والحسم.
خامسًا: هل حفتر وحده؟ دعم خارجي مكشوف
لا يمكن قراءة تدخل حفتر في السودان بمعزل عن القوى التي تدعمه وتموّله. فثمة دول إقليمية ودولية تتقاطع مصالحها مع وجود حفتر في ليبيا، وتسعى لتوسيع هذا النفوذ نحو السودان، ومن أبرزها:
الإمارات
تمثل الإمارات الممول الأساسي لحفتر، وتُتهم بدعم قوات الدعم السريع أيضاً، ما يُشير إلى وجود تنسيق غير مباشر بين حلفاء أبوظبي في ليبيا والسودان، بهدف إضعاف الجيش السوداني.
روسيا
عبر مجموعة فاغنر وشركات التعدين، تعمل روسيا على تأمين مصالحها في السودان وليبيا من خلال دعم حفتر وشبكات التهريب العابرة. وقد لعبت فاغنر دوراً مهماً في تهريب الذهب السوداني عبر ليبيا.
إسرائيل
تسعى بعض الدوائر الإسرائيلية لإقامة قنوات غير رسمية مع قيادات ليبية وسودانية، بهدف جمع المعلومات الاستخباراتية وتعزيز النفوذ في المنطقة.
سادسًا: خيارات السودان لمواجهة التمدد الليبي
أمام هذا التمدد الليبي غير المعلن، يملك السودان عدة أوراق استراتيجية يُمكنه توظيفها:
إعادة تنظيم وحدات الحدود
يتعين على القيادة العسكرية السودانية إعادة تمركز قواتها في ولايات دارفور الحدودية، وتوفير الإمدادات والاتصالات الحديثة لتعزيز سيطرة الدولة.
التعاون مع دول الجوار
يمكن للسودان تعزيز تنسيقه الأمني مع تشاد والنيجر، اللتين تواجهان تحديات مماثلة مع حفتر، عبر اتفاقيات أمنية ومناورات مشتركة.
تحريك الجبهة الدبلوماسية
ينبغي للسودان مخاطبة المجتمع الدولي بشأن الانتهاكات التي تمارسها قوات حفتر، وكشف دور بعض الدول في زعزعة استقرار السودان بدعوى مكافحة الإرهاب أو حماية الحدود.
سابعًا: معركة السودان… أكثر من مواجهة عسكرية
تدرك المؤسسة العسكرية السودانية أن المواجهة مع حفتر ومَن خلفه ليست فقط معركة عسكرية، بل معركة على السيادة الوطنية، ورفض للوصاية الأجنبية، واستعادة لكامل السيطرة على الجغرافيا والثروات والقرار السياسي.
كما أن هذه المعركة تتطلب وعياً شعبياً، وإعلاماً وطنياً، ودعماً مجتمعياً للمؤسسة العسكرية، فهي لا تدافع فقط عن الحدود، بل عن مستقبل السودان ووحدته واستقراره.
خاتمة: السودان لا يُباع ولا يُستباح
في وقت يحاول فيه حفتر تحويل السودان إلى ممر للذهب والسلاح والمرتزقة، يقف الجيش السوداني شامخاً، مدافعاً عن الأرض والكرامة.
رغم الجراح، ورغم المؤامرات، يظل الجيش هو السد المنيع الذي لا يلين. ولن يُسمح بأن يتحول السودان إلى ساحة نفوذ لأجندات أجنبية، مهما كانت الرايات ومهما كان التمويل.
السودان وطن له تاريخه، وله رجاله، وحدوده لا تُرسم بالخرائط الأجنبية، بل تُصان بالدم والوفاء.
> السودان للسودانيين، والسيادة خط أحمر لا يطاله طامع ولا عابر سبيل.



